سيتا هاكوبيان… حين تعود الروح إلى بغداد
عماد آل جلال ليست عودة الفنانة سيتا هاكوبيان إلى بغداد حدثا عابرا في سجل الأخبار الفنية، بل هي لحظة مكتنزة بالدلالات العميقة، تتجاوز البعد الشخصي إلى رحابة الرمزية الثقافية والوجدانية. فهي ليست مجرد فنانة غابت ثم عادت، بل واحدة من أعذب الأصوات التي شكّلت وجدان العراقيين في العقود الماضية، واحتلت مكانة خاصة في ذاكرة وطنٍ أدمته المنافي وهدّه الحنين.لم تكن سيتا هاكوبيان طيفاً غنائياً فحسب، بل كانت صوتاً دافئاً تسلل إلى القلوب عبر أثير الإذاعة، وأغانيها التي تماوجت بين البساطة والعمق، رسمت ملامح بغداد التي نعرفها، والتي نخشى أن تندثر. واليوم، حين تطأ قدماها أرض العاصمة من جديد، فإنها لا تعود وحدها، بل تعود معها شذرات من زمنٍ اختزنته الذاكرة العراقية في لحظات الصفاء.في بلدٍ مثقلٍ بالوجع، تبدو عودة فنانة من هذا الطراز بمثابة بريق ضوء في نفق الاغتراب الثقافي. فبغداد، التي ودّعت مبدعيها تحت نيران الحروب والنفي والخذلان، تستقبل اليوم ابنتها الفنانة كما تستقبل الأم ابنها التائه، في مشهد تتداخل فيه العاطفة مع الكبرياء، والذاكرة مع الواقع.إن عودة سيتا تمثل استعادة لصوت من أصوات الذاكرة الجمعية، وهي رسالة واضحة بأن العراق، رغم كل شيء، ما زال قادراً على احتضان من أخلص له. ربما لا تسعى سيتا هاكوبيان إلى استئناف مسيرتها الفنية بالمعنى التقليدي، ولكن عودتها تحمل بذرة سؤال: هل بدأت المرحلة التي يمكن فيها للفنان العراقي أن يعيش في وطنه دون أن يدفع ثمن كونه صوتاً؟ وهل تستطيع الدولة والمجتمع احتضان رموزها، لا كمجرد ذكرى، بل كجزء حيّ من نسيج الحاضر؟ما نعرفه يقينا، أن في بغداد متّسعا لكل من أحبّها بصدق، وأن من يعود إليها بعد كل هذا الغياب، لا يعود لأنه يحن فقط، بل لأنه لا يستطيع أن يكون نفسه في مكان آخر.
قائمة التعليقات