تخطي إلى المحتوى الرئيسي

” في قبضة الأحلام وصراع الإنسان مع ديستوبيا التكنولوجيا”

” في قبضة الأحلام وصراع الإنسان مع ديستوبيا التكنولوجيا”

د.جيهان الشندويلي مقدمة عن الأدب الديستوبي وأهميته الأدب الديستوبي هو أحد الأنواع الأدبية المندرجة تحت أدب الخيال العلمي وهو نوع أدبي يتناول رؤى مستقبلية سوداوية) وهو ضد فكرة اليوتوبيا الأفلاطونية (لمجتمعات تُسيطر عليها أنظمة قمعية أو تقنيات متسلطة، ما يجعلها مرآة تعكس مخاوف الإنسان من المستقبل، يُظهر هذا الأدب عادةً عالماً تتحكم فيه السلطة بمصائر الأفراد وتُقيّد حرياتهم.نشأ الأدب الديستوبي كرد فعل على التحولات السياسية والاجتماعية الكبرى في العالم، مثل صعود الأنظمة الشمولية والحروب العالمية والثورات التكنولوجية، ومن أبرز رواده عالميًا جورج أورويل في رواية ” 1984، وألدوس هكسلي في “عالم جديد شجاع”، حيث استطاعا صياغة تصورات مقلقة عن المجتمعات المستقبلية.تكمن أهمية الأدب الديستوبي في قدرته على طرح أسئلة فلسفية وأخلاقية عن مصير الإنسان في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم، فهو يحفّز القارئ على التفكير في القضايا الراهنة، ومن خلال استكشاف هذه العوالم المفترضة.ومن الروايات التي تأخذك في عالم الدستوبيا، رواية أحلام سعيدة للمؤلف أحمد الملواني الصادرة عن دار نشر كتوبيا، وهي مقسمة على أربعة أجزاء كل جزء يحكي حلما جديدا.تنطلق الرواية من فكرة مثيرة، تفرض الدولة على البشر موعدا للنوم وآخر للاستيقاظ وفق جدول محدد بحيث ينام نصف السكان ويستيقظ النصف الآخر، وإذا خالف أحد هذا النظام يكون قد ارتكب مخالفة.هذه الآلية تخدم غرضا مزدوجا؛ تقليل استهلاك الموارد والسيطرة على الأفراد، وذلك عبر زرع شريحة تكنولوجية في الرقبة.يضعنا الكاتب أمام ثنائية تجمع بين الواقعي والمتخيل، فالعنوان يحمل طابعا متناقضا؛ فهو يوحي بالسكينة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن مفارقة، حيث تكون الأحلام في هذا المجتمع الافتراضي أداة للسيطرة وليس للحرية، الأحلام هنا ليست طواعية ولا تعبيرا عن أعمق الرغبات، بل هي جزء من نظام صارم ينظم الحياة البشرية بطريقة مرعبة.” مر يومي هادئا دون تفاصيل تذكر، وفي الموعد المحدد دخلت إلى فراشي، انتظرت حتى صدرت الإشارة من المذياع العام، ثم تمددت على جانبي الأيسر كالعادة، قلت مخاطبا جسدها الهامد أمامي:– تصبحين على خير يا حبيبتي.ومن المذياع العام صدر الصوت القوي كما كل ليلة، يقول:– عزيزي المواطن، أحلام سعيدة”.هنا يحين الدور الروتيني لذلك الجسم المعدني الرقيق المزروع تحت جلد رقبتي، في لحظة واحدة، وعندما يتلقى تلك الإشارة العامة، أروح في نوم عميق، مليء- بالفعل – بالأحلام السعيدة.“أكرم” الشخصية الرئيسة، الذي جاءت ” قسمة نومه” عكس شريكة حياته “هالة”، يعيش مأساة نفسية و اجتماعية، يمثل البطل صوت الفرد المقموع في المجتمع ، فقصته مع هالة ليست مجرد مأساة عاطفية، بل تعكس الصراع بين الحب والحرية، يعيش في عالم تتحكم فيه الآلات بالقيم الإنسانية الأساسية، مما يجعل مشاعره تجاه زوجته رمزا للتمرد الداخلي على النظام، كذلك زوجته تمثل الجانب الآخر من المأساة؛ فهي أيضا ضحية للنظام الذي يفرق بين المحبين ليس فقط في المكان، بل حتى في الزمن، وعلاقتها مع البطل تسلط الضوء على المعاناة العاطفية الناتجة عن التدخل التقني في حياة المواطنين.حيث يُجبر على البقاء منفصلا عنها زمنيا، رغم ارتباطه العاطفي العميق بها، هذه الفكرة تمنح الرواية بُعدا إنسانيا مؤلما، حيث يتحول الحب إلى تضحية مستمرة بسبب قيود النظام.تتميز الرواية بسرد متماسك وإيقاع سريع، مما يحافظ على انتباه القارئ ويمنع الشعور بالملل، فالبناء السردي يتسم بالتصاعد التدريجي، حيث يكشف الكاتب تفاصيل العالم الديستوبي بشكل متأن، مما يبقي القارئ مشدودا لمعرفة المزيد، ضمير المتكلم يعمق الارتباط بين القارئ والشخصية الرئيسة، ويتيح فهمًا أعمق لتجربته النفسية، مع ذلك، قد يشعر البعض بأن التركيز المكثف على البطل يأتي على حساب تطوير الشخصيات الثانوية.يمكن اعتبار النظام الذي فرض النوم المتناوب شخصية غير مرئية، لكنه حاضر بقوة.تظهر الرواية كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول من أداة للرفاهية إلى وسيلة للسيطرة، ويعكس زرع الشريحة رمزية مخيفة عن التدخل التقني في أعمق مستويات الحياة الشخصية.وعلى الرغم من الظروف القاسية، يظهر الحب كقوة مقاومة. فالعلاقة بين الشخصية الرئيسة وهالة تبرز كيف يمكن للعاطفة الإنسانية أن تتحدى حتى أقسى القيود، لكن الرواية تقدم هذه المقاومة بطريقة مأساوية، حيث يظل الحب مقيدا وغير مكتمل.يمثل النظام القمعي الوجه المتجرد من الإنسانية، حيث لا يهتم بالمشاعر أو العلاقات، بل ينظر إلى الأفراد كأرقام في معادلة اقتصادية.يتقن الكاتب المزج بين الوصف التفصيلي والتكثيف الرمزي، حيث يجعل القارئ يشعر كأنه في قلب الحلم، هذا الأسلوب يتطلب قارئا منتبها للتفاصيل، فيكافئه الكاتب بتجربة أدبية مميزة.اللغة المستخدمة سلسة، مباشرة، وعميقة مما يجعل الرواية سهلة القراءة، حيث يستخدم السرد البسيط في الظاهر ليخفي تحته طبقات معقدة من الدلالات، كما أن وصفه لعالم الروايات دقيق ومثير للخيال، فيميل للمزج بين الوصف النفسي والتحليل الاجتماعي، مما يجعل القارئ يشعر بأنه داخل هذا العالم القاسي، كما أن الحوارات جاءت طبيعية لكنها مشحونة بالعاطفة والرمزية.يتمكن الملواني من خلق جو كابوسي يعكس طبيعة المجتمع القمعي، مع استخدام تعابير تعكس الحالة النفسية للبطل، استطاع الكاتب استغلال الخيال كأداة لإثارة القضايا الإنسانية العميقة.يمكن أن تُعد الرواية نقدًا للمجتمعات التي تسعى للسيطرة الكاملة على الأفراد، وتسلط الضوء على مخاطر فقدان الحرية والإرادة. الشرائح المزروعة في الرقاب ترمز إلى التدخل التكنولوجي في الحياة الشخصية، بينما يعكس بروتوكول تنظيم الوقت تأثير السياسات الحكومية على العلاقات الإنسانية، وهي رواية جديرة بالقراءة، حيث تقدم رؤية فلسفية وفنية مبتكرة حول موضوع الأحلام وتأثيرها على حياتنا.عمد الكاتب إلى ترك بعض التساؤلات المفتوحة دون إجابة واضحة، وهو ما قد يكون متعمدا ليحث القارئ على التفكير والتأمل.جاءت لغة الرواية مشحونة بالصور الفنية التي تعزز طابعها الحلمي، اعتمد الملواني على أسلوب يجمع بين البساطة في السرد والتعقيد في الدلالة، كما أن الحوار جاء مناسبا للشخصيات، مما أضفى على النص طابعا حيا وديناميكيا.“أحلام سعيدة” هي رواية تثير التفكير حول مستقبل المجتمعات والتكنولوجيا، وتقدم تحذيرًا من مخاطر السيطرة المفرطة على الأفراد. تُعد الرواية إضافة قيمة لأدب الديستوبيا العربي، الجدير بالذكر أن رواية “أحلام سعيدة” اختيرت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية.وتبرز موهبة أحمد الملواني ككاتب قادر على معالجة موضوعات معقدة بأسلوب مشوق، فهي تجربة فنية مميزة وليست سردا خياليا فحسب؛ بل هي تأمل عميق يشرح علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وما إذا تحول التقدم التكنولوجي لوسيلة قمع، الرواية تطرح تساؤلات عن الحب، القمع، الحرية وتدعونا للتفكير في مستقبل قد لا يكون بعيدا إذا فقدنا السيطرة على التكنولوجيا، النص يجمع بين الجمالية الأدبية والقيمة الفكرية، مما يجعل “أحلام سعيدة” علامة فارقة في الأدب الديستوبي العربي.  

ثقافة

اترك تعليقاً

الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


تم إرسال التعليق. شكراً لك.

قائمة التعليقات